فلسطين أون لاين

حياة على حافة الضرورة: كيف فرضت الحرب نمطًا استهلاكيًا تقشفيًا على أسر غزة

...
من أسواق قطاع غزة.. حركة بطيئة بعد الحرب
غزة/ رامي رمانة:

دفعت الحرب المستمرة على قطاع غزة، وما رافقها من انهيار اقتصادي وارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والأسعار، الأسر الغزية إلى تبني نمط استهلاك قاسٍ يقوم على تقليص الاحتياجات إلى حدودها الدنيا، في محاولة للبقاء وسط واقع معيشي خانق تحكمه الضرورة لا حرية الاختيار.

ويؤكد مختصون اقتصاديون أن التراجع الحاد في مستويات الدخل، بالتزامن مع شح فرص العمل وارتفاع كلفة المعيشة، غيّر بصورة جذرية سلوك المستهلك في غزة، فقد بات الإنفاق يتركز على الضرورات اليومية، مقابل تراجع شبه كامل في الطلب على الكماليات والخدمات غير الأساسية.

طالع أيضًا: النخالة لـ"فلسطين": خسائر قطاع المركبات في غزة تقدر بملايين الدولارات

في هذا السياق، أوضحت عضو مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين الفلسطينيين سمر هارون أن العدوان الإسرائيلي الأخير أحدث تحولات عميقة في نمط حياة الأسر الغزية، مشيرة إلى أن انهيار القطاعات الاقتصادية أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 80%، فيما تجاوزت معدلات البطالة النسبة ذاتها، ما انعكس مباشرة على قدرة الأسر الشرائية.

وأضافت هارون لصحيفة "فلسطين" أن هذه الظروف دفعت العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، والتركيز على الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والسكن والمواصلات، في ظل اعتماد متزايد على المساعدات الخارجية التي لا تصل بانتظام، الأمر الذي أجبر الأسر على إدارة أزمتها المعيشية ذاتيًا.

ChatGPT Image 2 فبراير 2026، 04_21_08 م.png
عضو مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين الفلسطينيين سمر هارون

وبيّنت أن ارتفاع الأسعار الناتج عن نقص الإمدادات وتدمير البنية التحتية ساهم في تغيير السلوك الاستهلاكي، حيث اتجه المواطنون إلى شراء السلع الأقل تكلفة، وإعادة استخدام الموارد المتاحة، والحد من الهدر قدر الإمكان، لافتة إلى أن التخطيط المالي اليومي بات جزءًا من تفاصيل الحياة الأسرية.

وأشارت إلى أن هذه التحولات انعكست على السوق المحلي، مع تراجع المبيعات في القطاعات غير الأساسية، مقابل زيادة الطلب على السلع الغذائية الأساسية، وظهور أنماط استهلاك أكثر عقلانية تفضل الضروريات على الكماليات، بما يخفف نسبيًا من الضغط الاقتصادي على الأسر.

6_11.jpg
 

من جانب آخر، عبّر خريجون وعاطلون عن العمل عن قسوة الواقع المعيشي، حيث قال الشاب شريف أموم، وهو خريج جامعي بلا عمل، إن تجاوز البطالة نسبة 80% يعني خروج جيل كامل من دورة الإنتاج، معتبرًا أن ما يوصف بالاستهلاك العقلاني هو في حقيقته "تقنين للحياة".

طالع أيضًا: غزة تختنق ماليًا.. سخط شعبي على "تقاعس" سلطة النقد والبنوك

وأضاف أموم: "لم نعد نفكر في شراء الملابس أو تكوين أسرة، بل ندرس الجدوى الاقتصادية لشراء رغيف الخبز"، واصفًا غزة بأنها "المختبر الأقسى عالميًا لكيفية بقاء الإنسان حيًا بلا اقتصاد".

بدوره، أكد الموظف سهيل عدوان أن الطبقة الوسطى في غزة تلاشت بشكل شبه كامل، موضحًا أن المدخرات التي كانت تمتلكها الأسر استُنزفت في الأشهر الأولى من الحرب، بينما بات أصحاب الرواتب يبحثون عن أرخص البدائل في الأسواق.

3_13.jpg
 

وقال عدوان: "تحولنا من مستهلكين نشطين إلى أشخاص يحسبون قيمة الشيكل قبل إنفاقه"، مشيرًا إلى أن الكثير من الأسر استغنت عن اللحوم والفواكه، واستعاضت عنها بالبقوليات والمعلبات، خصوصًا تلك التي تصل عبر المساعدات.

ورغم قتامة المشهد، ترى هارون أن هذه التحولات القسرية أسهمت في تعزيز ثقافة الترشيد وإدارة الموارد داخل الأسر، مؤكدة أن أي تحسن اقتصادي يظل مرتبطًا بتحقيق الاستقرار الأمني، واستعادة النشاط الاستثماري، بما يسمح تدريجيًا بإعادة تنشيط الأسواق وتحسين مستوى المعيشة في قطاع غزة.

 

المصدر / فلسطين أون لاين